أهلا و سهلا، عما تبحث ؟

حقائق

استلاب ذاكرة الأمة بين الماضي والحاضر

تهذيب |  أستاذة و الصحفية جوهر مصطفى

كثيرة هي الحوادث التي أصابت المخطوط الإسلامي في تاريخه، فمنها الحرق ومنها السرقة ومنها الاستباحة بغرض طمس هوية الأمة التي يحفظها ذلك المخطوط، ولم تتعرض أمة من الأمم لمثل ما تعرضت له أمة العرب والإسلام في هذا الجانب، لا سيما ما تعيشه الأمة اليوم من واقع العولمة بعد إتلاف الذاكرة الشخصية لها،وقدشهدت الأمة العديد من النكبات في هذا الجانب وجاءت على النحو التالي:

الاستباحة المغولية سنة 656هـ- 1258م، وقد حفظت لنا كتب الآثار الفظائع التي عرفتها بغداد ومكتباتها، وقد وصفها الشيخ تقي الدين إسماعيل بن إبراهيم التنوخي المتوفى سنة 672هـ بدمشق وكان ممن شهد الحادثة فيقول:

لسائل الدمع عن بغداد أخبار
فما وقوفك والأحباب قد ساروا
تاج الخلافة والربع الذي شرفت
به المعالم قد عفاه إقفار
وكم حريم سبته الترك غاصبة
وكان من دون ذاك الستر أستار

وهذا شمس الدين الكوفي الواعظ المتوفى سنة 675هـ، يقول:

يا دار أين الساكنون وأين
ذياك البهاء وذلك الإعظام
يا دار قد أفلت نجومك عنا
والله، من بعد الضياء ظلام
فلبعدهم قرب الردى ولفقدهم
فقد الهوى، وتزلزل الإسلام

وفي قصيدة أخرى يقول فيها:

يا نكبة ما نجا من صرفها أحد
من الورى فاستوى المملوك والملك
تمكنت بعد عز في أحبتنا
أيدي الأعادي فما أبقوا ولا تركوا
وقفت من بعدهم في الدار أسألها
عنهم وعما حووا فيها وما ملكوا
أجابتني الطلل البالي، وربعهم الخالي
نعم ها هنا كانوا وقد هلكوا

وهذا الشاعر الفارسي المسلم سعدي الشيرازي ينعي بغداد بقصيدة: طويلة فيقول:

نسيم صبا بغداد بعد خرابها
تمنيت لو كانت تمر على قبري
بكت جدر المستنصرية ندبة
على العلماء الراسخين ذوي الحجر
وقفت بعبادان أرقب دجلة
كمثل دم قان يسيل إلى البحر
أيذكر في أعلى المنابر خطبة
ومستعصم بالله لم يكُ في الذكر

وقد حفظ لنا التاريخ صورًا من هذه السرقة والاستلاب الثقافي، ومن ذلك ما حدث في قصة عميد الملك السلجوقي أبو نصر منصور الكندري الوزير السلجوقي البارز، الذي سرق مكتبة أوقاف بغداد سنة 451هـ، فكان جزاؤه في النهاية السيئة له، أن أورثته معرة خالدة على مدى التاريخ لأنه خان الأمانة في سرقة مكتبة وقف بغداد، فقد أصاب المكتبة التي أوقفها الوزير أردشير، وكانت تقوم على أكثر من عشرة آلاف مجلد ومخطوط، أوقفها أردشير رحمه الله، وكانت من أعاجيب خزائن الدنيا، فما بقي سالمًا من المخطوطات كان أبو نصر الكندري قد سرق ما بقي منها، لكن “ألب أرسلان” قبض عليه بواسطة اثنين من مرافقيه فقتلوه في قرية “مرو الروذ” ودفن بقريته “كندرة” وحز رأسه بعد ذلك وأرسل إلى كرمان، وفيها دست في مداكرة من تراب خوارزم، ومثل هذا المشهد كان الباخرزي قد وصفه شعرًا فيقول:

تفرقت في الأرض أجزاؤه
بين قرى شتى وبلدان
والحكم للجبار فيما مضى
وكل يوم هو في شان

فكانت نهاية أبو نصر نهاية ظالم نال من عقاب الله في الدنيا قبل الآخرة.


إطلع أكثر على معلومــات و مواضيع تهمك


المخطوط الإسلامي بين الإهمال والنهب في عصرنا الحاضر

ثمة أناس من أهل الفضل والقدر، كان لهم مواقف مشرفة في حماية المخطوط الإسلامي من السرقة والإهمال، ففي دمشق الشام على سبيل المثال كان الشيخ طاهر الجزائري الرائد الأول في بناء المكتبة الطاهرية بدمشق من خلال جمع مخطوطات مساجد دمشق ووضعها في المدرسة الطاهرية لتحمل فيما بعد اسم المكتبة الطاهرية، وذلك حماية لهذه المخطوطات من السرقة بعدما شاع بيعها بأثمان بخسة لدور السفارات الأوروبية وتجار المخطوطات من الأوروبيين، ومن باب تكريم الشيخ طاهر على عمله هذا فقد كان العلماء في الشام يسمون المكتبة هذه بالمكتبة الطاهرية نسبة إليه رحمه الله تعالى.

ومن أبواب الإهمال وعدم معرفة قيمة المخطوطات

أن الشيخ بهجت البيطار -رحمه الله- كان يسير في أحد أزقة دمشق. فشاهد خادمًا لإحدى حمامات دمشق. وكان مسؤولًا عن إيقاد النار لتسخين ماء الحمام، وهو يحمل على حماره كمية كبيرة من المخطوطات بشكل مرئي وهو لا يدري قيمتها، فأوقفه الشيخ سائلًا إياه أين يذهب بها؟ فقال: للحرق، فقال له: دلني على البيت الذي أحضرتها منه، فأخذه إليه فوجد في البيت كمية كبيرة من المخطوطات فتم له رحمه الله تعالى إنقاذها جميعها فسلمت من الحرق، لكن الإهمال هذا وفي هذه الصورة قد عرفته الكثير من المجتمعات الإسلامية، لكن الله يهيئ في اللحظات الأخيرة من يعمل على إنقاذها.

والصورة نفسها تكررت في تركيا بعد انقلاب الدستور سنة 1908م، على يد الطورانيين، فقد ذهبوا في رمي المخطوطات الإسلامية في شوارع اسطنبول سعيًا لقطع الصلة بين المجتمع التركي والإسلام، وقد هيأ الله لهذا الموروث العظيم صاحب أول مكتبة قديمة في حلب لبيع الكتاب، فقد كان الرجل في اسطنبول واسمه محي الدين عجان الحديد وعندما شاهد ذلك عمل على جمعها في أحد المنازل وأتى بنجارين فعملوا له صناديق خشبية وجمع هذه المخطوطات فيها، وكان رحمه الله قد اتصل بالمرحوم أحمد تيمور باشا في مصر، فأخبره عن الصورة التي وجد عليها المخطوطات، فحول مبالغ مالية كبيرة لشحنها إلى مصر، وقد كان ذلك، وتكررت الصورة نفسها في تركيا سنة 1924م، سنة إلغاء الخلافة، فمضى عجان الحديد رحمه الله وجمع المخطوطات من الشوارع وأرسلها إلى مصر للمرحوم أحمد تيمور باشا، وحسب ما أفاد عجان الحديد وصدق كلامه أحمد تيمور باشا بأنه تم إنقاذ 17 ألف عنوان كان المخطوط فيها في حدود التسعة آلاف، والباقي من الكتب المطبوعة بطباعة القرن التاسع عشر، وكانت هذه المخطوطات والكتب أول مكتبة خاصة تقوم عليها مكتبة دار الكتب المصرية في القاهرة تحمل اسم أحمد تيمور باشا رحمه الله.

شخصيات ومؤسسات حفظت المخطوط الإسلامي

على هامش ما تتعرض له المخطوطات العربية بعمومها، وذلك عن طريق سرقة هذه المخطوطات من قبل أناس ضعاف في نفوسهم، وبيعها لسماسرة دول الغرب الأوروبي، من قناصل وسفراء ورحالة ومستشرقين قصدوا المشرق العربي والإسلامي لمثل هذه الغايات، وسرقة المخطوطات تشهد الفترة التي نهض فيها الغرب الأوروبي لاستعمار دول العالم الإسلامي منذ مطلع القرن العشرين للميلاد، ففي هذه الفترة، وقعت أكبر عمليات سرقة ونهب أثرت مكتبات الغرب الأوروبي في تراث العرب والمسلمين، وتوج هذه الأمر الاستباحة والغزو الأخير لدولة العراق وريثة الموروث العباسي من صدر دولة الإسلام، فمثل هذا الواقع وهذه الصورة دفعت العديد من نبلاء وشرفاء الأمة في السعي على الحفاظ على هذا الموروث العظيم. سواء في السعي على اقتنائه أم الحفاظ عليه بأي شكل من الأشكال.

وهذا بيان بأسماء هذه النخبة الكريمة من العلماء والأفراد

• الشيخ طاهر الجزائري رحمه الله: من كبار جُماع المخطوطات وهو الذي كان سببًا في نشأة المكتبة الطاهرية بدمشق، بعد أن استطاع جمع مخطوطات مساجد مدينة دمشق في هذه المكتبة خوفًا عليها من النهب والسرقة لبيعها بأثمان رخيصة.

• الشيخ محمد عبدالحي الكتاني من كبار علماء المغرب العربي، كان قد التقى فيه الأستاذ محمود شاكر في مصر سنة 1933م، وذكر عنه أنه كان جماعًا للمخطوطات، وترك بعد وفاته مكتبة غنية.

• الأستاذ العالم الفاضل أحمد عبيد، ابن دمشق والغيور على موروث الأمة من تراثها الإسلامي -المخطوط- فقد كان رحمه الله يعرف البيوتات الدمشقية التي تمتلك هذه المخطوطات مع جهل أهلها فيها بعد وفاة صاحبها الأول، فكان يقتنيها بأرخص الأسعار بكميات كبيرة، فجاء عمله هذا بأفضل النتائج طيلة السبعة عقود في القرن العشرين للميلاد بما جمعه من مخطوطات، فجميع هذه المخطوطات التي تم له جمعها قدر لها البقاء داخل دمشق، ووضعها في المكتبة الظاهرية.

• ومن هواة الاقتناء للمخطوط كان الشيخ صالح الفرفور رحمه الله الذي ترك من بعده مكتبة في المخطوط الإسلامي كبيرة استطاع جمعها خلال مسيرة الحياة.

• ومن المغرب العربي أيضًا الشيخ الفاضل العالم محمد المنوني علم من أعلام التراث الإسلامي، في تحقيقه واقتنائه.

• ومن علماء المغرب العربي كذلك الشيخ عبدالله بن كنون رحمه الله ولا زالت مكتبته عامرة إلى الآن بنفائس المخطوطات.

• ومن العراق عرف المرحوم الدكتور صالح أحمد العلي، ومن العراق اليوم الدكتور النقشبندي الذي استطاع إنقاذ أكثر من 50 ألف مخطوط.

• وفي إيران في مدينة قم الإيرانية توجد أكبر مكتبة خاصة في المخطوط والتي تقتني نفائس المخطوطات الإسلامية سواء أكانت سنية أم شيعية، وقد جمعها آية الله الشيخ محمد حسين المرعشي وفيها آلاف المخطوطات النادرة، ويديرها ولده الشيخ محمود الذي استضافه مركز الملك فيصل لإلقاء محاضرة عن مقتنيات هذه المكتبة العظيمة ومقتنياتها تزيد عن الخمسة آلاف مخطوط.

• ومن الهواة اليوم كان أثرياء اللبنانيين فقد كانوا أهل اهتمام بتراث المسلمين، وإن كانوا من النصارى وذلك لإدراكهم قيمة مثل هذه المخطوطات الإسلامية في بعديها المادي والعلمي، والذي دفعهم لذلك هو رؤيتهم لكبار تجار المخطوطات من أبناء السفارات الأوروبية في شراء واقتناء هذه المخطوطات الإسلامية وذلك بعد أن أصبحت بيروت الممر الآمن لتسهيل نقلها على دول أوروبا.

• و في الشرق الأوسط جاء الاهتمام في المخطوط مع النهضة العلمية التي تعيشها البلاد فقد شهدت هذه البلاد المباركة خلال الثلاثين سنة الماضية جمع أكبر قدر ممكن من امتلاك موروث الأمة الإسلامية من المخطوط. وقد قدرها الدكتور عبدالكريم الزيد مدير مكتبة الملك عبدالعزيز في العدد 56 من مجلة أحوال المعرفة بأنها بلغت في حدود 150 ألف مخطوط على شكل مصور أو مخطوط أصلي.

  1. الأول الرسمي: المكتبات الحكومية الرسمية والتي تعود في ملكيتها للدولة سواء كانت مكتبات عامة أم مكتبة لمؤسسات علمية كالجامعات أو ما شابه ذلك.
  2. الثاني الخاص: وهو ما كان معنيًا بجهود أشخاص في مسألة جمع واقتناء المخطوط، وهذا جهد طيب جدًا ويشار هنا بالفضل إلى الشيخ عبداللطيف البابطين مؤسس ومنشئ مركز البابطين الخيري، وفي الإمارات العربية المتحدة هناك الثري الفاضل الشيخ جمعة الماجد صاحب مركز جمعة الماجد والذي حصل على جائزة الملك فيصل العالمية، وأسأل الله أن يزيدهم من فضله، هذا وهناك نشاط فردي على مستوى دول الخليج في مسألة جمع المخطوطات واقتنائها. ولا ننسى الأستاذ الوزير السابق للنفط الشيخ أحمد زكي اليماني ومركزه العلمي الذي استطاع في لجنته العلمية القائمة عليه حصر معظم المخطوطات الإسلامية في العالم الغربي والإسلامي، مع اقتنائه لعدد ضخم من المخطوطات. وله نشرة ثقافية تصدر عن المركز الذي يمتلكه خاصة في أخبار المعهد والمخطوط.

و للحديث بقية …

⭐  الأخبار المنشورة على الصفحة الرسمية لمركز الجزائري لصحافة و تكنولوجيا الإعلام ، هي اختصار لجزء من الأخبار التي تُعرض للمشتركين عبر نظام تدفق الأخبار (CAP Technology). من أجل الاشتراك لدى الوكالة يُرجى الاتصال عبر الإيمايل.

 

 

 

 

تكنولوجيا

قرر اليوتيوبر سكوتي ألين صاحب قناة "سترانج بارتز" (Strange Parts) تجربة صنع شاشة لهاتف آيفون قابلة للطي من منزله، وباستخدام تقنيات ومواد متوفرة.

اقتصاد

توقعات باستمرار انخفاض سعر الأسهم المغالى فيها لأسابيع مقبلة

اقتصاد

أدت التحولات الجيوسياسية العالمية والتطورات التكنولوجية إلى زيادة أنشطة التجسس الاقتصادي. فما أبرز الدول التي تمارس هذه الأنشطة؟ ومن هي الدول المستهدفة؟

الطاقة و المناجم

كشفت مجلة “فوربس الشرق الأوسط” عن قائمة أقوى الرؤساء التنفيذيين في الشرق الأوسط 2021 والتي تشمل 100 رئيس تنفيذي يقودون أكبر المؤسسات الاقتصادية في...

 | جميع الحقوق محفوظة © 2021. المركز الجزائري للصحافة و تكنولوجيا الإعلام | من نحن !

error: