مدوناتمكة في الجزائر
أخر الأخبار

ثرثرة خارج التراث، كيف تحولت بكة أو مكة في الجزائر إلى مكة في الحجاز … المؤامرة التاريخية على الإسلام ؟

إعلانات

 

   قناة الجزائري مباشر

المصطفى

في بداية هذه الورقة، أودّ أن أنوه إلى أنه لا يملك أحد أن يحجر على رأي أو يصادر فكرة لأنها تخالف قناعاته التي تربى عليها ونبت في تربتها وترعرع تحت ظلالها، وأن تطور البشرية يعود الفضل فيه إلى قسط وافر من التمرد على المعهود من تلك القناعات الراسخة والمسلمات المتمكنة، وأن أشد الحقائق إزعاجا للعقل هي أشدها نفعا للإنسان، وأكثر الأفكار جدة وابتكارا هي أكبر حافز لإعادة اكتشاف الذات، فهذه دعوة لحوار مفتوح مع العقل والمنطق، مع التاريخ والتراث، واختبار لتلك القناعات عندما توضع على محك المنطق والحجة، ولعله من نافلة القول أن أذكر بأن هذه الورقة لا تنكر وجود حرم مقدس للمسلمين، ولكنها تطرح سؤالا جديدا، سؤال المكان والجغرافيا.

قالوا أن … قالوا أن في سنة 683 بعد أن بلغ الصراع بين ابن الزبير والأمويين أشده على إثر رفض هذا الأخير الاعتراف بشرعية خلافة يزيد لوالده، اجتاحت جحافل جيش يزيد ابن معاوية في مكة المزعومة في السعودية حيث كان يتمترس ابن الزبير وأنصاره، وكما هو معروف في التاريخ التراثي؛ فإن المدينة وضعت على حد السيف لثلاثة أيام، وبعد تسعة أشهر من الواقعة، وضعت نساء المدينة المغتصبات؛ أزيد من ألف مولود سفاحا. رغم ذلك لم يكن ابن الزبير من بين القتلى، فالرجل بدل أن ينتظر في المدينة ويواجه قوات يزيد، ركب الصحراء إلى بقعة أشد سحرا وجاذبية للقداسة، إلى «بيت الله» … طبعا هذه إلا إفتراءات !

المؤرخون المسلمون الذين أتوا بعد 100 عام من هذه الحادثة، تناولوا من باب البديهيات والمسلمات أن ذلك المكان المقدس الذي قصد إليه ابن الزبير بعد المذبحة اليزيدية؛ هو مدينة مكة، لكن بالعودة إلى الأرشيف التاريخي والمادي والأدبي لتلك الحقبة نجد أن أحدا من المعاصرين لها لم يشر إلى أن بيت الله يوجد في مكة، تلك المدينة المعروفة طوبوغرافيا اليوم في المملكة السعودية، بل إن مكة نفسها لم يرد لها ذكر في مؤلفات المؤرخين ولا في سجلات التجارة الإقليمية والعالمية ولا الخرائط الطوبوغرافية لذلك العهد، ولا حتى العهود السابقة لبعثة محمد(ص).

فرغم أن التاريخ الإسلامي يبرزها كمدينة تجارية هامة في الشرق الأوسط، تلتقي فيه القوافل القادمة من الشرق والغرب، الشمال والجنوب، ويصوّرها المؤرخون الإسلاميون، كأنها دبي الشرق الأوسط في ذلك الزمن-لم يتحدث عنها أي من المؤلفين الرومان والمسيحيين والهنود والفرس وغيرهم، وقد عبرت المؤرخة الراسخة باتريشيا كرونا عن دهشتها عندما راجعت جميع الوثائق التاريخية والمادية لتلك الحقبة وما قبلها، أي منذ القرن الأول الميلادي إلى السابع، فلم تعثر على مستند واحد ورد فيه ذكر اسم مكة، هذا أمر مجمع عليه بين المؤرخين اليوم دون استثناء.

ودونت باحتة  ملاحظات هامة في كتابها«التجارة المكية وظهور الإسلام»، تشير فيه إلى أن السفن القادمة من الهند وهي محملة بالتوابل والبهارات وغيرها من السلع، كانت بعد إغلاق ممر بحر العرب والخليج العربي بسبب الحرب بين الساسانيين والبيزنطيين، تمر عبر خليج عدن فمضيق باب المندب في اليمن ثم البحر الأحمر، متجهة إلى الشام الحقيقية وهي شمال إفريقيا العربية التي كانت ملتقى القوافل الحقيقي لمئات السنين، وليس من المنطقي أن تقوم تلك السفن بتفريغ حمولتها في البر اليمني؛ لتسلك عبر الجمال والدواب طرقا برية قاحلة إلى مكة داخل الصحراء، حيث لا وجود لأي نشاط تجاري، ثم تكمل طريقها صاعدة إلى الشمال، وتترك طريق البحر الذي يعتبر مسارا آمنا وسريعا.

وأشارت الباحتة إلى أن المدة التي يقتضيها التنقل بمقدار طُنّ من البضائع برا لمسافة 50 ميلا، هي نفس المدة التي يقتضيها المقدار ذاته الذي يمكن التنقل به بحرا لمسافة 1200 ميل بحرا، الذي هو طول المسافة بين باب المندب وخليج العقبة عبر البحر الأحمر، الأمر الذي يجعل التكلفة باهضة من خلال البر مقارنة بالبحر، إضافة إلى تكاليف تأمين القافلة من قطاع الطرق وتوفير الزاد للجمال والركاب، وأماكن لإقامة الخدم، لذلك كان البحر أكثر أمانا وأقل كلفة من البر، فكل ما تحتاجه السفينة هو شراع خفاق و دفقة من الرياح وسواعد للتجديف.

فلماذا سوف تتجشم القوافل مشقة الذهاب الى قرية نائمة في أحضان الصحراء، ليس فيها من وسائل الراحة ولا أساسيات الحياة إلا بئر لا تكفي كل تلك القوافل التي تتوارد عليها يوميا؟، كما أن الوثائق التجارية والسجلات التاريخية كانت تؤكد أن الأثيوبيين هم الذين كانوا يديرون حركة الملاحة التجارية في البحر الأحمر، ويسيطرون على المضيق والممرات البحرية، وكانوا على دراية متقدمة بصناعة السفن وطرق وتقنيات الإبحار ونقل البضائع والمبادلات التجارية.

الباحثة التي تتقن 15 لغة من اللغات القديمة كالسوريانية والساسانية والعربية، اتجهت في رحلة بحثها عن المكان التاريخي الذي انطلقت منه الرسالة المحمدية ونزل فيه الوحي، حيث نظرت في الوثائق التي بقيت من عهد الساسنيين الفرس عندما كانوا يذهبون إلى يثرِب للتنقيب عن الفضة حيث بنوا هناك عدة مناجم، لقد تحدثت الوثائق عن يثرِب وخيبر والطائف، لكن لم يرد ذكر مكة في أي منها رغم أنها في نفس الإقليم.
لقد راجعت وثائق بروكوبياسprocopius أحد مؤرخي الإمبراطورية البيزنطية الرسميين في القرن السادس، وغيره من مؤرخي الدولة البيزنطية الذين سافروا واستكشفوا الجزيرة العربية، ولم يشر أحد منهم إلى مدينة اسمها مكة.

كان علينا أن ننتظر حتى سنة 740م أي بعد 120 سنة من ظهور الإسلام حيث ظهر أول ذكر لمكة في مؤلف بالسوريانية لرجل دين مسيحي مجهول، باسم apocalypse of pseudo-methodius، المخطوط الذي اكتشف عام 1932، وهو وثيقة أصلية يؤرخ صاحبها لفترة الفتح العربي التي عايشها، وينظر فيها لفكرة نهاية العالم من وجهة نظر مسيحية، في أعقاب تفكك الدولة البيزنطية وسقوط أعظم حواضرها بأيدي العرب.

فهل يتصور أحد أنه بعد 500عام من الآن، عندما يريد أحد الباحثين دراسة اقتصاد كبرى العواصم الاقتصادية في الشرق الأوسط؛ أن لا يجد في الأرشيف الذي يؤرخ لهذه الحقبة، أي ذكر لمدينة دبي باعتبارها قطبا تجاريا مزدهرا في الخليج العربي والشرق الأوسط ؟. ورغم أن فقهاء الإسلام ومؤرخيه يعتبرون مكة البقعة الأقدم والأقدس في الأرض، وأن إبراهيم وإسماعيل، قبل 900 عام من الميلاد، أسسا أول بيت وضع للناس في مكة، فإننا لا نجد ذكرا لهذه المدينة في أي من المصادر التاريخية خارج التراث الإسلامي، على الإطلاق.

خريطة جغرافية قديمة لشمال إفريقيا - الجزائر ، تونس ، ليبيا، رسمها الجغرافي جيرهارد / جيراردوس ميركاتور. تم نقش هذه الخريطة من أطلس ميركاتور الصغير في عام 1630 بواسطة جان كلوبينبيرغ في أمستردام. هذه الخريطنة لسنة 1630 تبين بوضوح مدينتي مكة أو بكة و المدينة في الجزائر، ونفي كليا كل المعتقدات على أن هاتين المدينتين في السعودية، لأن ببساطة، لا أصل لهما في تلك الحقبة .. فكيف في عهد النبي، قرابة 11 قرن قبل تصميم هذه الخريطة ؟

خريطة جغرافية قديمة لشمال إفريقيا – الجزائر ، تونس ، ليبيا، رسمها الجغرافي جيرهارد / جيراردوس ميركاتور. تم نقش هذه الخريطة من أطلس ميركاتور الصغير في عام 1630 بواسطة جان كلوبينبيرغ في أمستردام. هذه الخريطة لسنة 1630 تبين بوضوح مدينتي مكة أو بكة و المدينة في الجزائر، ونفي كليا كل المعتقدات على أن هاتين المدينتين في السعودية، لأن ببساطة، لا أصل لهما في تلك الحقبة .. فكيف في عهد النبي، قرابة 11 قرن قبل تصميم هذه الخريطة ؟

فهل من الجائز أن يجتمع كل أولئك المؤرخون من مختلف الأمم واللغات والأديان، جيلا بعد جيل؛ على تجاهل ذكر مكان شهد بناء أول بيت وضع للناس في الأرض، وكانت له كل تلك العظمة والقداسة والرواج التجاري؟، هل هي مؤامرة تاريخية على الإسلام؟، وهل المؤامرات تجوز على الخرائط و الوثائق التاريخية والأدبية التي دونت قبل حتى أن يولد رسول الإسلام؟.

في المقابل، ورد ذكر “الحرم المقدس” بوصف جغرافي عام على لسان جون بار بينكاي John bar Penkaye وهو مؤرخ نسطوري عاش في أواخر القرن السابع في فترة حكم عبد الملك بن مروان، في مؤلفه المعروف «كْتَبَا دريش مللّي» أو مختصر تاريخ العالم، في الجزء الذي تحدث فيه عن الفتح العربي، حيث وصف المكان الذي لجأ إليه ابن زبير في أثناء حروبه مع بني أمية الآتية:« لقد ذهب إلى مكان، حيث حرمهم المقدس، وعاش هناك«، فَلَو كانت مكة معروفة في ذلك الوقت، والنَّاس يحجون إليها بالآلاف، فلا يعقل أن يصفها المؤرخ الذي فصل القول في حوادث تلك الحقبة بهذا الشكل المبهم.

لكن لدينا بعض القرائن والإشارات التاريخية والأركيولوجية ذات الدلالة التي يمكن من خلالها استشفاف المكان الأصلي ل«الحرم المقدس» عند العرب، قبل أن تستقر الرواية الإسلامية الشائعة لهذا المكان بعد وفاة الرسول بقرنين من الزمن. يعقوب الرهوي يعطينا بعض الملامح، المؤرخ والكاتب السرياني المشهور، المولود في عين دابا قرب حلب عام 640م، دون في بعض كتبه أن المهاجرين في العراق، عندما كانوا يسجدون في الصلاة، كانوا يتجهون نحو الغرب.

بل إن بعض الروايات في التراث الإسلامي قد أشارت إلى أن رامي السهم الذي حدد اتجاه القبلة عند بناء مسجد الكوفة على يد سعد بن أبي وقاص، لم يقع سهمه باتجاه الجنوب من المسجد باتجاه مكة، ولكن إلى مكان ما في جهة الغرب.

وهذه المنطقة بالذات هي التي كان محمد (ص) على اتصال ومعرفة بها حسب المؤشرات الضمنية في لغة القرآن، فقد أشارت المعطيات من نصوص القرآن، إلى المشركين الذين كانوا يجاورون محمدا (ص) في مكة ويجادلونه في دلائل النبوة والمفاهيم الدينية – أنهم على علم عميق ومتقدم بالتراث الإنجيلي والتوراتي، وطفحت نصوص القرآن بمواد جدلية في الثيولوجيا المسيحية التي كانت مثار جدل في المجتمعات المسيحية واليهودية، إذا عندما نريد أن نبحث عن “مكة” الحقيقية التي عاش فيها النبي محمد وعاشر فيها مجتمعا كتابيا غاصا بالموحدين monotheists ، لن نجدها في عالم وثني كما تصوره لنا كتب التراث؛ عالم من الأصنام وعبادة الأوثان، بل في منطقة عرفت حضورا حيويا للمسيحيين واليهود كما يصورها القرآن الكريم.

ثم إن الشخصيات التي يصفها القرآن هي شخصيات زراعية تمتهن الفلاحة، كما أن المشهد البيئي نفسه في القرآن، يرسم تضاريس أرض زراعية وليست صحراوية على الإطلاق، فلا وجود للزراعة في مكة، فهي واد غير ذي زرع، ورغم ذلك يصف القرآن أعداء محمد أنهم يربون المواشي و يزرعون أشجار الزيتون ودوالي العنب…الجغرافيا القرآنية تصف لنا موقعا خصبا مثمرا، تتراقص فيه حقول الكروم والتين والزيتون، وتسرح على بساطه الأخضر المراعي والأبقار، وتجري خلاله الجداول والسواقي، وهذا المشهد الأخضر الغني بالماء والثمار والفواكه والأنعام؛ نجده في الجزائر فقط، وليس في الحجاز ونجد، حيث النباتات الصحراوية من عوسج ومُرّار، وحيوانات صحراوية من ضب وبنات آوى و وعول برية وأفاعي و عقارب و حجر.

لنتناول هذا المقطع من حديث البخاري كتاب التمني 6804 وهو بيت شعري كان ينشده الصحابي بلال بن رباح في مكة قال:

ألا ليت شعـري هل أبيتن ليلة بواد وحولي إذخر وجليل
وهل أرِدن يومـاً مياه مجنـة وهل يبدو لي شامة وطفيل

يصف بلال مكة، واديا معشوشبا تملأه الخضرة ونباتات الأذخر وأزهار الجليل وتحيط به عيون الماء الجارية، و Cymbopogon المعروف بالإذخر المكي الموجود غرب الجزائر : مازفران و زيرالدا و تيبازة حتى مدينة المقدسة تلمسان و شرقها نحو عنابة و القالة و سكيكدة و جيجل، هو نبات معمر غليظ الأصل، يصل ارتفاعه إلى مترين، كثير الفروع دقيق الورق، وبالإطلاع على قاعدة البيانات المتوسطية للنباتات التي توضح خريطة انتشار الأذخر المكي، يتبين أنه ينتشر في شمال إفريقيا، ولا ينبت في الحجاز أو نجد، مثله مثل نبات أو أزهار الجليل Hylotelephium، فهي أزهار لا يمكن بحال أن توجد في مناخ صحراوي، أما شامة وطفيل فهما عينان ينبع منهما الماء.

في حديث آخر للبخاري من كتاب الجهاد والسير 56:251 يصف الحديث رجلا (الصحابي خباب بن الأرت) أسيرا لدى قريش في مكة (منطقة قريش هي منطقة الجزائر الوسطى بها واد مسمى بواد قريش و عائلات الأصيلة : عائلة مكي و قريشي الجزائرية) ..  يتناول حبات العنب، في منطقة لا يبلغ فيها معدل التساقطات المطرية 10 مليمترات سنويا، فكيف تكون أرضا خصبة بالأشجار والحقول الخضراء وتقوى على احتمال كثافة سكانية تعج العشائر والبطون والعبيد والخدم، إضافة إلى كونها قطبا تجاريا تتوافد عليها الطوائف والأجناس المختلفة، و ألوف القوافل من الجهات الأربعة، مع ما يصف به القرآن أهل مكة من الجندية والقدرة على الحشد للقتال جيشا عظيما مجهزا بالعتاد والسلاح كالمحاربين الجزائريين الشرفاء.

    

أضف إلى هذا أن علماء الأركيولوجيا المسلمين لم يجدوا في مكة أي آثار أو حفريات، في مدينة ضاربة في القدم يفترض أن تكون عاجة بالآثار، لكن أقدم أثر توصلوا إليه لا يتجاوز القرن الثامن الهجري، رغم أن البيت الأول حسب التراث الإسلامي يعود بناءها إلى قرون طويلة قبل ظهور الاسلام، وهذا ما صرحوا به أولئك الأركيولوجيون للمؤرخ دان جيبسون كما ورد في كتابه الجغرافيا القرآنية، ومعروفة في التاريخ بأن في الجزائر لها حرما يحرم القتل فيه، ورغم أن الجزيرة العربية عرفت العديد من الكعبات والبيوت المقدسة من نجران إلى شمال الجزيرة العربية، ظلت بكة في الجزائر أهم تلك المراكز الدينية على امتداد القرون.

في القرآن ما يرشدنا إلى تلك المنطقة التي تتمتع بالأوصاف التي جاءت في القرآن، عندما تحدث عن قصة لوط، و مدينة بومبيي الإطالية “Pompei” .. قوم لوط، وليست مدينتي سدوم وغمور أو سدوم وعمورة في الأردن كما يزعم الكثير، مع أن الله قال صراحتا ووصفها بمدينة واحدة و فقط و ليس مدينتين .. في قوله جلا علاه : وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ ۗ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ ( سورة الأنبياء الآية 74). مع العلم أن النبي لوط إبن هران، و مدينة وهران الجزائرية هي نسبتا لأب النبي لوط .. و هو أخ النبي إبراهيم .. يعني أن هران و إبراهيم إخوة و النبي إبراهيم هو عم النبي لوط.

وبالعودة إلى اتجاه القبلة، فإن لفيفا من الأركيولوجيين قاموا باستقصاء مدهش لمجموعة من المساجد الأولى في الإسلام، وبالنظر إلى اتجاه القبلة الأول الذي تبنته تلك المساجد؛ كانت النتيجة مذهلة ومحيرة في آن واحد.

شهادة صوتية لشيخ 91 سنة من بسكرة على أن القبلة هي في الجزائر قبل تحريفها من قبل فرنسا

لقد وردت في القرآن نصوص تأمر محمدا (ص) بتغيير اتجاه القبلة في الصلاة، لكن لم يحدد القرآن مكان تلك القبلة، وأطلقت التعبيرات منكرة مبهمة عامة: “ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها“، “لنولينك قبلة ترضاها”، “فول وجهك شطر المسجد الحرام”…وحسب الرواية الإسلامية التقليدية حدث ذلك في عام 624م، هذا يعني بالضرورة أن أي مسجد بني بعد عام 624م، فإن قبلته سوف تكون باتجاه مكة الحقيقية في الجزائر، لكن المفاجأة التي لم يكن يتوقعها أحد، كشفت عنها الأبحاث الأركيولوجية على المواقع الأثرية للمساجد القديمة في المينة المقدسة تلمسان، التي وجدت على سبيل المثال أن القبلة الأولى لمسجد غوانجزهو الأعظم في الصين الذي بني عام 630، أي أربع سنوات بعد تحويل اتجاه القبلة، كانت اتجاه القبلة فيه نحو الجزائر، والمساجد القديمة في إسبانيا أو قرطبة على سبيل المثال كانت قبلتهم نحو تلمسان…إلخ … كما أكده لنا العارف بالله سيدي المصطفى من تلمسان العتيقة.

والخلاصة، هي أن جميع المساجد التي بنيت بعد وفاة محمد (ص) وحتى بداية القرن الثامن، كانت تتجه بالقبلة إلى بكة أو مكة في الجزائر لا إلى مكة المزيفة و حديثة العهد التي في السعودية، وأن المساجد ظلت مدة مختلفة في اتجاهات القبلة على امتداد رقعة الإسلام ما بين 700م و822م ، ولم تتوحد حول القبلة المكية كليا وبشكل نهائي إلا بعد مضي 850 عام من تاريخ تغيير القبلة.

هناك اعتقاد قوي تعضده القرائن والأدلة الأركيولوجية، ويدعمه التطور العلمي الكبير الذي تشهده مناهج البحث التاريخية مسلحة بالتكنولوجيا الحديثة، يشير إلى أن هناك خطأ تاريخيا وقع فيه المؤرخون المسلمون الذين جاءوا بعد أزيد من 150 عاما من وفاة الرسول عليه السلام، وهناك فترة غامضة في التاريخ الإسلامي تعتبر لغزا معقدا يحتاج إلى تفكيك مضني، يجعل ما تقود إليه الأبحاث الأنتروبولوجية و حجج الأركيولوجيا والوثائق التاريخية وسجلات التجارة القديمة؛ يتصادم مع مدونات التراث تصادما صارخا، وتتضارب فيها الأخبار في السيرة وكتب التاريخ و الحديث بين الوصف والموصوف.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن العلم إذا ما توصل إلى المكان الأصلي الذي شهد مهبط الوحي وبعثة الرسول وكان ذلك على خلاف ما قررته الروايات المزيفة و المغلوطة، فإن ذلك لا يتعارض مع العقيدة الإسلامية في حد ذاتها، ولا مع صدق النبوة، لأن الأمر لا يعدو أن يكون خطأ جغرافيا في تحديد الموقع، وتصحيحا للمكان الذي يتوجب على المسلمين الحج إليه، واستقباله في الصلاة، والحق أحق بالاتباع، ولغرابة المفارقة ودلالتها أيضا.

فإذا كانت بكة أو مكة الحقيقية في الجزائر هي المكان الذي نزل فيه الوحي والبقعة التي كانت فيها الكعبة أول الأمر، والقبلة التي كان يتوجه إليها المسلمون الأوائل في الصلاة، فلماذا تحولت إلى مكة المزيفة و المزورة في السعودية ؟، ما هي الأحداث التاريخية والدوافع المنطقية التي جعلت المسلمين يتحولون عنها إلى مكان بعيد في الصحراء في المملكة العربية السعودية ؟ مكان ليس له ذكر في التواريخ والخرائط والأدبيات القديمة ؟ كيف حدث ذلك على مرأى من الناس؟ ما هي المدة و الجهود من الدول مثل فرنسا و بريطانيا و إيطاليا و إسبانيا و الصهاينة التي تطلبها تحويل القبلة ليستقر الأمر في النفوس؟ لا بد أن حدثا جللا وقع أدى إلى ذلك التحول العظيم في التاريخ ؟ … أنظر الخريطة و شريط PDF.

     

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر أخبار :
error:
Djazairy - Install Notifications    OK No thanks