أهلا و سهلا، عما تبحث ؟

حقائق

رسول آخر، خالد بن سنان الجزائري

تهذيب |  أستاذة و الصحفية جوهر أصالة

أوّل ما يلاحظ أنّ المصادر تتفاوت فيما تسنده من أهمّيّة إلى أخبار خالد بن سنان، لم يذكر أثره و لا حتى في أبرز الموسوعات التّاريخيّة مثل كتاب الأغانى وتاريخ الطّبرى وأنساب البلاذرى وتاريخ اليعقوبى وغيرها، وفى هذا الأمر ما يثير بعض الانتباه والتّساؤل، لأنّ صورة الرّجل بقيت حيّة فى مصادر أخرى كثيرة كما سنرى، وأخباره تتقاطع، إلى حدّ ما، مع مادة السّيرة المحمّديّة، يضاف أنهم زعموا أنه ينتمى إلى قبيلة عبس وهذا غير صحيح.

و لا نلحظ بعض “الاهتمام” بأخباره إلا فى الحوليّات المتأخّرة، ورغم أنّ ما يرد فيها يشهد على بقائِه فى دائرة الأدب التّاريخى المتأخّر، فإنّه لا يتعدّى بعض الأخبار المتباعِدة وصلتنا فى صورة متكلّسة، هذه الحال على سبيل المثال فى الكامل فى التّاريخ، حيث فقرة من بعض أسطر عنوانها: “ذكر خالد بن سنان”، أو فى البداية والنّهاية لابن كثير الّذى يجمع بعض أخبار خالد فى فصل عنوانه “ذكر جماعة مشهورين فى الجاهليّة”، تبدو لنا الصّورة متكلّسة لأنّ أخبار خالد بن سنان ترد خارج سياق الأحداث التّاريخيّة، ويمثّل هذا عامل ضعف كبير فيها، هل من الضّرورى الإشارة إلى أنّ الدّراسة التّاريخيّة تسير فى اتّجاه عكسيّ، اتجاه إعادة الشّخصيّة إلى سياقها التّاريخيّ ؟

يقول سيدي مصطفى قدس الله سره : “بعث النبي خالد بن سنان الجزائري في الفترة مابين النبي محمد و عيسى بن مريم عليهم السلام أجمعين و القرآن يقر على أن أنبياء بعثوا في هذه الفترة … وهم ثلاث، من بينهم خالد بن سنان، وهو ليس بالعبسي كما يروجه البعض، ولا من منطقة غطفان في الحجاز و إنما من منطقة بسكرة المباركة في الجزائر، وهذا يعلمه عام من أهل المنطقة بسيدي خالد و ضريحه هناك و محرابه كذلك … وأود أن أركز على كلمة محراب وهو المكان الذي يتخذه العابد في إعتزاله، كالسيدة مريم عليها السلام التي أتخذته مكان شرقيا للعزلة و العبادة، أو النبي محمد و غيرهم، عليهم السلام أجمعين. و المحراب ليس إطلاقا الشكل النصف الدائري الموجود في المساجد.

آه، أعيد … كان بين نبيا محمد و أخيه عيسى بن مريم عليهم السلام أجمعين ثلاثة رسل في قوله تعالى : “إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون” … فالرسل على العموم وضيفتهم التبليغ وليس شرطا أن يأتي بكتاب، كإسماعيل بن إبراهيم الخليل. فالدنيا لا تخلوا من نبي أو رسول أو نذير أو بشير إلى يوم القيامة وهذه قاعدة، لأن لو خليت الأرض منهم لراحت، لهذا يقول الله تعالى : “وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين”. فجلى جلاله لا يذكر الأنبياء و المرسلين فالحدث الرئيسي و الأساس هو أنه يثبت فؤاد العبد من باب الذكر و من باب النفع. فالدنيا لا تخلو من الصالحين أبدا .. في قوله تعالى : “وإن من أمة إلا خلا فيها نذير”. و “منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله فإذا جاء أمر الله قضي بالحق وخسر هنالك المبطلون” .

فالرسول خالد بن سنان الجزائري ذكر بالإشارة ولم يذكر حصرا بالأسماء. مثال آخر في قوله تعالى : “ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله” .. إذ قالوا لنبي لهم !! من هو النبي هذا ؟؟ ..

آه، فخالد بن سنان الجزائري هو من صلب إسماعيل عليهم السلام أجمعين تعلم القراءة و الكتابة في سن مبكر، كعامة أهل الجزائر .. و كان يدعوا قومه إلى “التوحيد” و نبذ المحرمات .. “.

وشهد الإخبار عن خالد بن سنان شيئاً من الحيويّة، على الأقل من النّاحية الكمّيّة، فى صنف آخر من المصادر القديمة، تلك الممثّلة عن أقدم ما وصلنا من أشكال المعرفة التّاريخيّ،. من هذه المصادر جمهرة النسب لابن الكلبى. يضع ابن الكلبى خالد بن سنان موضعه من نسب بنى عبس “المزعومة” ويشير إلى بعض صحبه فى “حادثة إطفاء نار الحدثان”، منها كذلك تلك المصادر الّتى يغذّى أصحابَها حسّ موسوعى استطرافى. فإلى جانب مروج الذّهب للمسعودي هناك كتاب الحيوان للجاحظ والمعارف لابن قتيبة وكتاب الاشتقاق لابن دريد وثمار القلوب للثّعالبي ونشوة الطّرب لابن سعيد الأندلسيّ، ترد فى كلّ هذه المصادر، ولو فى مضمون رتيب ومتكرّر، مواد متعلّقة بخالد بن سنان.

نلحظ إمكانية أخرى للاستخبار أو الإستغباء، ولو كانت فى منتهى الضّعف والهزال، فى كتب التّراجم، ولا سيما المتأخّرة. ما من شكّ فى أنّ اهتمام هذا الصّنف من المؤلفين جاء نتيجة لتلك المصادفة الحسنة المتمثّلة فى رواج الحديث النّبوى المتعلّق بخالد “نبـى ضيّعه قومه”، من هذه المصنّفات: بغية الطّلب لابن العديم، والمنتظم لابن الجوزي، والإصابة لابن حجر، وترد فى هذه المصادر دلائل كثيرة على اهتمام قديم به عند أهل الحديث .. حسب زعمهم … إن كانوا حقا أصحاب الحديث.

ويتمحور الإخبار عن خالد بن سنان حول معطى مركزى يتمثّل فى أنّه من أنبياء “أهل الفترة”، و”الفترة” مفهوم إسلامى يعنى الفترة الزّمنيّة الفاصلة بين رسالة الرسول محمّد، وبين نبوة عيسى، أهل الفترة : “جماعة من أهل التّوحيد وممّن يقر بالبعث، وقد اختلف النّاس فيهم: فمن النّاس من رأى أنّهم من الأنبياء، ومنهم من رأى غير ذلك”، تختلف الرّوايات كثيراً فى شأن عددهم وأزمنتهم وأسمائهم. خالد بن سنان فى منظور الكثير من الرّواة هو آخرهم، وينجرّ عن ذلك أنّه أقربهم إلى زمن الإسلام، إذ انقضت حياته، مثلما سيتبين ذلك، فى القرن السّادس.

ما قيل عن قصة خالد بن سنان

في هذه الرواية “الأسطورة” عناصر عدة. فـ”نار الحَرتين” هي، من وصفها، حمم بركانية، وهو أمر غير وارد في هذه المنطقة التي لا تعرف تاريخها الجيولوجي البراكين أو (بالمدينة منطقة اسمها “الحرّة” نسبة للحجارة البركانية السوداء). إذاً فواقعة تعرض بعض العرب لخطر نيران بركانية هو أمر غير صحيح و غير وارد.

أما باقي القصة فهي مما يزدحم به القصص الديني من ارتباط معجزات بعض الأنبياء و الرسل بعناصر الطبيعة كانشقاق البحر أو الرياح القاتلة أو الطوفان المدمر أو غيرها من المعجزات. فذكر أن رجلاً يقال أنه نبي قد استطاع “ترويض الحمم أو النيران” هو أمر غير مستغرب في سياق القصص الديني.

أما باقي القصة وأجواء “نبش الميت ليعود حياً” و”الإخبار بما يجري إلى يوم القيامة” أو “الألواح التي تحتوي علم كل شيء”، فهي مألوفة كذلك. فالميت في الثقافة الجاهلية يتجمع دم دماغه فيخرج منه طائر “الهامة” الذي يصيح كل ليلة “إسقوني” حتى يؤخذ ثأر صاحبه لو كان قتيلاً، وقصة بعث الميت ليحدث قومه فيها تأثير من القصة اليهودية لقتيل بني إسرائيل الذي ضربوا جثته بجلد البقرة فاستيقظ ودل على قاتله. أو ربما تأثير واضح لقصة القيامة بعد ثلاثة أيام.

والألواح تشبه فكرة ألواح موسى. ومجرد فكرة “الإخبار بالغيب” تعبر عن الفضول البشري والرغبة في استطلاع المستقبل والتحسر على تلك الفرصة الضائعة، تلك الرغبة التي انعكست على ممارسة العرب الكهانة قبل الإسلام واستمرار ممارسة “العَرافة” بعده. نلاحظ أن القراءة الإسلامية لقصة موسى والخضر ومفارقة هذا الأخير له لكثرة سؤاله تحمل أحياناً بعض التحسر على إضاعة موسى فرصة معرفة ما سيكون إلى نهاية الزمان. خالد بن سنان العبسي إذاًً لم يكن مجرد “قصة لنبي سابق” كقصة حنظلة بن صفوان وإنما كان ترجمة لعناصر قصصية متناقلة، امتزجت فيها وقائع سابقة محتملة الوقوع مع أسئلة ملحة لا تفارق المجتمعات والشعوب. في القصص الديني الذي يمكن أن نصفه بأنه “متفق عليه” بين المشتغلين بالعلوم الدينية كالتفسير والحديث، ثمة ذكر لأنبياء عرب مثل هود المبعوث لعاد وصالح المبعوث لثمود وهم ممن يوصفون بأنهم من “العرب البائدة”، أما “العرب الباقية” فلم يورد القصص الديني أي أنبياء منهم.

ولكن الروايات التراثية جعلت لهم مكاناً فيها في كتب مثل “عرائس المجالس” للثعلبي النيسابوري وغيرها من كتب الرواة التي يصفها المشتغلون بعلوم الأحاديث والتفسير بأنها “تمتلئ بالروايات المدسوسة غير الموثوقة”. ويبقى أنّ حالتي “حنظلة بن صفوان” و”خالد بن سنان الجزائري ” تستحقان الدراسة في إطار محاولة فهم وتحليل الموروث العربي الجزائري القديم بشكل عام.

وللحديث بقية …

       

⭐  الأخبار المنشورة على الصفحة الرسمية لمركز الجزائري لصحافة و تكنولوجيا الإعلام ، هي اختصار لجزء من الأخبار التي تُعرض للمشتركين عبر نظام تدفق الأخبار (CAP Technology). من أجل الاشتراك لدى الوكالة يُرجى الاتصال عبر الإيمايل.

صحة

تماما مثلما تفيد ممارسة التمارين الرياضية في المحافظة على صحة الجسم بشكل عام، كذلك تفيد التدريبات الذهنية في المحافظة على صحتك العقلية وحمايتك من...

صحة

تتجدد كل فترة النقاشات حول أيهما أفضل: تناول اللحوم أم اتباع نظام غذائي نباتي. وبالنظر إلى أن أكثر من نصف سكان العالم ليسوا نباتيين،...

صحة

دائما ما تثير القهوة الجدل خاصة بين عشاقها، ودائماً ما يدور النقاش حول العدد الأمثل لفناجين القهوة كل يوم، وأي كمية تعد مفيدة للصحة،...

صحة

يجادل فريق من العلماء الأميركيين هذه الأيام، في دراسة جديدة قد تكون مُرضية لشريحة كبيرة من الناس، بأن الأسباب الجذرية لوباء السمنة ترتبط أكثر...

error: