إقتصاد

هل تخلخل “الشعبوية المالية” أسواق التداولات ؟

إعلانات

 

   قناة الجزائري مباشر


بقلم : أحمد مصطفى

تعقد لجنة الخدمات المالية في مجلس النواب بالكونغرس الأميركي جلسة استماع لمناقشة “اضطراب الأسواق أخيراً بسبب أسهم شركة جيم ستوب وأسهم أخرى”. ويشهد في الجلسة الرئيس التنفيذي لشركة التداول الإلكتروني روبين هود فلاديمير تينيف وستيف هوفمان الرئيس التنفيذي لمنتدى المحادثات على الإنترنت “ريديت”.

ولا يتوقع أن تؤدي جلسات الاستماع البرلمانية أو تحقيقات لجنة الأسواق والأوراق المالية أو هيئة الشكاوى المالية إلى إجراءات حاسمة تحد من التوجه الجديد في الأسواق الذي كانت قمته في الأسابيع الأخيرة حين قامت مجموعات كبيرة من المتعاملين الأفراد بشراء كثيف لأسهم شركات غير بارزة، ضاربت عليها صناديق تقليدية بانهيار أسهمها.

ومع عمليات الشراء الهائلة، ارتفعت أسعار تلك الأسهم لتخسر الصناديق التي قامت بالمضاربة عليها أموالاً طائلة. فالتداول عبر الإنترنت يتصاعد منذ نهاية القرن الماضي ليلبي طلباً متزايداً من الأجيال الشابة، مثل جيل الألفية (الملينيالز)، على الاستثمار في الأسهم. وكل القواعد التي وضعتها السلطات المنظمة لتداولات الأسهم إلكترونياً تطبق على تلك المواقع وتطبيقات الهواتف الذكية. إنما السبب في حالة الاضطراب والتذبذب الشديد هو استخدام ملايين المتعاملين الأفراد لتلك التطبيقات بشكل غير مسبوق، وليس فقط المستثمرين التقليديين وصناديق التحوط والاستثمار في الأسهم – أو ما يسمّون “المستثمرين المؤسساتيين”.

معايير جديدة

ولا يمكن للسلطات لوم تينيف أو هوفمان على إقبال ملايين الأفراد على أسهم محددة كما حدث مع سهم شركة الألعاب الإلكترونية جيم ستوب. وبدأ الأمر برسائل على منتدى “ريديت” للمحادثة بأن صنايق التحوط ضاربت ببيع قصير الأمد على أسهم الشركة وأن الإقبال على شرائها يرفع سعرها على عكس مستهدف الصناديق، ما يؤدي إلى خسارة الصناديق وتحقيق الأفراد لمكاسب هائلة وسريعة. ومع تذبذب سعر السهم بشدة، قام تطبيق روبين هود الذي يتعامل عبره الأفراد المتأثرون بالرسائل على منتدى “ريديت” بإبطاء عمليات الشراء، فهوى سعر السهم وخسر كثير من المتعاملين الأفراد. واشتكى عدد كبير من أن روبين هود قام بذلك لتقليل خسائر الصناديق، وهو ما نفته الشركة المالكة للتطبيق.

المشكلة هنا أن معايير التداول تغيرت بشدة، فبعدما كان المستثمرون التقليديون يسترشدون بمذكرات المحللين من بنوك الاستثمار الكبرى وشركات الاستشارات، أصبحت مجرد رسالة على منتدى محادثة على الإنترنت تؤدي إلى شراء كثيف لسهم ما وارتفاع سهمه للحد الأقصى.

كذلك، كانت الثقافة التقليدية أن يتّبع كبار المستثمرين خطط مديري الصناديق أو كبار المستثمرين في السوق مثل الملياردير وارن بافت رئيس صندوق بيركشاير هاثواي أو الملياردير جورج سورس وأمثالهما. أما الجيل الجديد من المتعاملين الأفراد، فتكفي تغريدة من شخص مثل الملياردير إيلون ماسك عن سهم شركة أو تطبيق جديد ليزحف الملايين من هؤلاء عليه شراء أو مساهمة.

جيل جديد

تلك الأجيال الجديدة، بدءًا من جيل الألفية والأجيال التي تلته، أصبحت تتجه نحو هدف بتحقيق الربح السريع والكبير من دون عمل أو جهد حقيقي. فغالبية أبناء الجيل لا يفكرون كما كان أسلافهم في وظيفة وعمل لسنوات طويلة والادخار للتقاعد، بل معظمهم يريد تكوين الملايين بسرعة. وأصبحت أسواق الأسهم والمشتقات المالية، ومنها حديثاً العملات المشفرة، وسيلة للمضاربة والربح السريع الهائل.

طبيعي أن تجد الشباب، وحتى غيرهم، يتلقّفون تغريدات إيلون ماسك عن الأسواق والأسهم والعملات المشفرة وغيرها، فسيرته أقرب إلى نجوم “الشو المالي”. وكيف لا، وقد أصبح ثاني أكبر ثري في العالم بعد رئيس “أمازون” جيف بيزو. ففي شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، قفزت ثروة ماسك من 7 مليارات دولار إلى 128 مليار دولار مع فورة غير مسبوقة في أسهم شركة “تسلا” للسيارات الكهربائية التي يملكها.

هذا التوجه من الأجيال الشابة ليس جديداً، لكنه تصاعد في عام الوباء، إذ تعطلت قطاعات اقتصادية لفترات طويلة ووفّر العمل من المنزل مساحة وقت إضافية حتى لمن لديه فرصة عمل. وسبق وأفاد هذا الرافد من المتعاملين الأفراد الجدد أسواق المال لتتعافى من أزمة 2008، لكنه حافظ أيضاً على ارتفاع قيمة الأصول بأكثر من حقيقتها، ثم جاء وباء كورونا ليرفع درجة الغليان في قيمة الأصل خلال عام بمعدل يوازي ما حدث في عقد قبله.

الشعبوية المالية

أما الآن، فإن تأثيره يرتفع في ما يمكن تسميته “الشعبوية المالية” على طريقة “الشعبوية السياسة” التي أخذت في الصعود حول العالم في السنوات الأخيرة. وكما اعتمد “الشعبويون” في السياسة على “تويتر” ومواقع التواصل لتوسيع قاعدتهم، يفعل الملياردير إيلون ماسك الأمر ذاته. فمع انطلاق موجة صراع المضاربات الشهر الماضي، بدأ ماسك الإشارة إلى أسهم شركات غير معروفة جيداً في البورصة لتنقل منتديات المحادثات تغريداته وتنهال ملايين طلبات الشراء من المتعاملين الفرديين على تلك الأسهم وتخسر صناديق الاستثمار التقليدية.

حتى إنه سحب تلك الموجات نحو العملات المشفرة، بدءًا من “بيتكوين” إلى عملة مشفرة أخرى يروّج لها إيلون ماسك هي “دوجيكوين”. وكان ماسك هو من لفت انتباه مرتادي المنتديات الإلكترونية إلى سهم شركة “إيه إم سي” للترفيه الذي تعرّض للبيع القصير من قبل الصناديق، فدخلوا لشرائه بكثافة فارتفع سعره أضعافاً. وحين غيّر إيلون ماسك شعاره على موقع التواصل “تويتر” إلى “بيتكوين”، ارتفع سعر العملة المشفرة بنحو خمسة آلاف دولار في يوم واحد من 32 ألف إلى 37 ألف دولار.

وحين أعلنت شركة “تسلا” قبل أيام أنها قررت استثمار 1.5 مليار دولار في “بيتكوين” وأنها تدرس قبول الدفع بالعملات المشفرة في المستقبل مقابل بيع سياراتها، قفز سعر “بيتكوين” نحو 50 ألف دولار.

المستثمر النموذج

يجسّد شخص مثل إيلون ماسك صورة المستثمر النموذج لمئات ملايين المستثمرين الأفراد في الأسواق من الأجيال الشابة الجديدة. فهو يمثّل التغير والتطلع إلى المستقبل والقفز للأمام. فمن يريد أن يستثمر بطريقة وارن بافيت أو الصناديق التقليدية التي توفّر عائداً بما بين 7 و17 في المئة في المتوسط السنوي، وفي حالة الاستثمار عالي المخاطر لا تزيد العائدات على 30 في المئة، بينما المغامرة يمكن أن توفّر أرباحاً أضعافاً مضاعفة في وقت قصير جداً قد لا يتجاوز أياماً.

لعل العالم يذكر الشهر الماضي حين غرّد ماسك بأنه يستخدم تطبيق الاتصال “سيغنال” بدلاً من “واتساب”، كيف تحوّل الملايين من “واتساب” إلى “سيغنال”. بالطبع استغل ماسك إعلان “واتساب” أنه سيوفر بعض بيانات المستخدمين لـ”فيسبوك”، المالك للتطبيق. وعلى الرغم من تراجع “واتساب” عن خطوته، فقد فقد كثيراً من مستخدميه لصالح تطبيق “سيغنال”.

مطلع هذا الشهر، أجرى إيلون ماسك حواراً على تطبيق المحادثة الصوتية “كلوب هاوس” مع فلاديمير تينيف، رئيس شركة التداول روبين هود، وبثّه متابعوه على “يوتيوب”. أدى ذلك إلى حركة مجمومة بين المتعاملين الأفراد في الأسواق سعياً للاشتراك في التطبيق أو شراء أسهم في “كلوب هاوس”. لكن ما زال الاشتراك فيه من خلال الدعوة فقط لأنه في مرحلة تجريبية، فأصبحت دعوات الانضمام إليه تباع على الإنترنت. والشركة المالكة له غير مدرجة في مؤشرات الأسواق، وإن كان يُعتقد الآن أنها ربما تدرس طرحاً أوّلياً للأسهم. ولم يزِد عدد مستخدمي التطبيق الصيف الماضي عن 1500 شخص، لكنه تضاعف الآن أكثر من مرة. وفي يونيو (حزيران) الماضي كانت قيمة الشركة لا تزيد على 100 مليون دولار، لكنها في أحدث جولة جمع تمويل قبل أيام، بلغت قيمتها مليار دولار.

تلك مجرد أمثلة فقط على تأثير شخص واحد من النماذج التي يتطلع إليها هذا الجيل الجديد الذي يبدو أنه على وشك إحداث تغيير جذري في الأسواق وطريقة عملها.

                        

إعلانات

 

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر أخبار :
error: