أهلا و سهلا، عما تبحث ؟

حقائق

هل صيام رمضان كما نعرفه اليوم أو كما فرضوه لنا ؟ التقليد الأعمى …

تهذيب |  أستاذة و الصحفية جوهر أصالة

في بداية هذه الورقة، أودّ أن أنوه إلى أنه لا يملك أحد أن يحجر على رأي أو يصادر فكرة لأنها تخالف قناعاته التي تربى عليها ونبت في تربتها وترعرع تحت ظلالها، وأن تطور البشرية يعود الفضل فيه إلى قسط وافر من التمرد على المعهود من تلك القناعات الراسخة والمسلمات المتمكنة، وأن أشد الحقائق إزعاجا للعقل هي أشدها نفعا للإنسان، وأكثر الأفكار جدة وابتكارا هي أكبر حافز لإعادة اكتشاف الذات، فهذه دعوة لحوار مفتوح مع العقل والمنطق، مع التاريخ والتراث، واختبار لتلك القناعات عندما توضع على محك المنطق والحجة، ولعله من نافلة القول أن أذكر بأن هذه الورقة لا تنكر وجود حرم مقدس للمسلمين، ولكنها تطرح سؤالا جديدا، سؤال المكان والجغرافيا.

==

يقدّم صيام شهر رمضان أحد أوضح الأمثلة حول كيفية قيام رجال الدين ( شيوخ “البطيخ” ) بفرض شكل للدين الإسلامي لا يتماشى مع القرآن ولا مع الإسلام أثناء حياة الرسول محمد صلى الله عليه و سلم و صحابته أجمعين. اقتصر ذكر الصيام في القرآن على أربع آيات من سورة البقرة :

  • ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ ۚ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (184) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185)

ثم آية أخيرة تتحدث عن إباحة المعاشرة الزوجية حتى فجر اليوم السابق للصوم، ليصبح الصيام أكثر يسرا من السابق، الذي كان ممنوعا فيه الأكل والجماع من قبل غروب شمس إلى بعد شروق الشمس اليوم التالي.

حسب معنى الآيات على المسلمين الصيام “أياما معدودات”، وهذا يعني لغويّا بين ثلاثة وتسعة أيام كحد أقصى، وبما أن الصيام قد كتب على المسلمين كما كتب على الذين من قبلهم، فبالإمكان تقدير عدد الأيام المقصود من خلال معرفة الصيام عند الديانات الأخرى، فاليهود مثلا يصومون لستة أيام فقط طوال السنة، بينما في المسيحية لا يخصص الكتاب المقدس أياما محددة للصيام ولكن كتقليد كنسي يصوم المسيحيون بالامتناع لساعات معينة عن تناول الطعام والشراب أو الابتعاد لأسابيع عن أنواع محددة من الطعام.

البدعة هي العبادة المحدثة التي لم يأتي بها الشرع

​​كما أن الصيام في اليهودية والمسيحية يترافق مع الصلاة، وفي سورة البقرة 187 “ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد”، مما يدل على أن المسلمين كانوا مثل أتباع الديانات الأخرى يعتكفون للصلاة في المساجد طوال فترة الصيام، ولو كان الصيام لشهر كامل لكان الاعتكاف بالمساجد دون عمل أمرا لا يتماشى مع متطلبات الحياة، ولذلك استبدل رجال الدين في الشرق الأوسط “شيوخ “البطيخ”” .. الصلوات المرافقة للصيام بصلوات التراويح بعد الإفطار التي يعتبرها كثير من المسلمين بدعة.

كما تدل الآية على أن أحد تلك الأيام المعدودات هو أول يوم في شهر رمضان، “ومن شهد منكم الشهر فليصمه”، والمقصود بالشهر هنا الهلال، ومن الطبيعي أن يكون اليوم التالي لليلة القدر التي ورد ذكرها في القرآن والتي أنزل فيها القرآن من بين تلك الأيام أيضا، وهي إحدى الليالي الفردية من العشر الأواخر من رمضان.

والصيام كما قال سيدي مولانا المصطفى هو تطوّعي اختياري، كما توضّح الآيات “فمن تطوّع خيرا فهو خير له”، ومن يستطيعون تحمّله ولا يريدون الصيام ففدية طعام مسكين، بشكل لا يتطابق مع كتب التراث التي جعلته فرضا ملزما وحدّا فاصلا بين الإيمان والكفر. وفي محاولة لتبرير هذا التفاوت بين القرآن والحديث ادّعى رجال الدين أن الصيام قد تم فرضه على المسلمين بالتدريج مع اعترافهم بأنه كان اختياريا في البداية؛ قال ابن قيم الجوزية: “لما كان الصوم غير مألوف لهم، فخيّرت بينه وبين الإطعام، ولما عرفت علّته وألفته، حتم عليها عينا، ولم يقبل بها سواه”، رغم أن القرآن يؤكّد أن الصيام كان معروفا عندهم لأنه كتب على الذين من قبلهم.

وقال سلمة بن الأكوع “ولما نزلت الآية وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين، كان من أراد أن يفطر ويفتدي حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها”، رواه البخاري، أي جعل رجال الدين الآية 185 من سورة البقرة “فمن شهد منكم الشهر فليصمه” تنسخ الآية 184 السابقة لها تماما من نفس السورة ليتماشى الطقس الديني مع رؤية رجال الدين رغم بعد ذلك عن المنطق، إذ كيف يمكن أن تحمل آيتان متتاليتان تعاليم دينية مختلفة وكيف يكون التدرّج بالأحكام بينهما من دون وجود فاصل زمني بين نزولهما.

الصيام كما توضّح الآيات تطوّعي اختياري، “فمن تطوّع خيرا فهو خير له”

​​وبحسب التقويم القمري الذي كان معمولا به طوال حياة الرسول، كان شهر رمضان يأتي دائما في فصل الخريف الذي يتميز بحرارته المعتدلة وبتساوى فيه طول الليل والنهار، بما يقابل بالتقويم الشمسي شهري سبتمبر و أكتوبر، وبما يتوافق مع شهر “تشريه” في العبري، الذي يقع فيه يوم الغفران “يوم كيبور” أهم أيام الصيام في الديانة اليهودية. وفي هذا التقويم كانت الأشهر الحرم “محرم صفر ربيع أول ربيع ثاني” تأتي دائما في الربيع كما يدل اسمها، أي مواسم تزاوج الحيوانات ولذلك كان الصيد محرما فيها، وكانت أشهر الحج تأتي في فصل الشتاء حيث يكون المناخ في مكة “بالجزائر” مناسبا للحج والتجارة، ولتحقيق ذلك كانوا يضيفون شهرا أطلقوا عليه اسم النسيء كل 32 شهر لتقويم انحراف الأشهر القمرية عن تناوب الفصول، وعملية التقويم هذه ما زال يسير عليها إلى اليوم كل من يعتمدون التقويم القمري في العالم كالصينيين واليهود وغيرهم.

ومع إلغاء النسيء أصبح شهر رمضان ينزاح تدريجيا ليدور على جميع الفصول كل 32 سنة، بحيث يأتي بالشتاء مع طقسه البارد وبالصيف مع المناخ الحار والجاف. يقول رجال الدين المسلمون إن إلغاء شهر النسيء قد تم بعد حجة الوداع في السنة العاشرة للهجرة، باعتباره من عادات الجاهلية واعتمادا على تفسير بعضهم للآية “إنما النسيء زيادة في الكفر يضل فيه الذين كفروا يحلّونه عاما ويحرّمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرّم الله زيّن لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين” التوبة 37.

لكن الباحث الإسلامي نيازي عز الدين يؤكد اعتمادا على حسابات ومقارنة أجراها بين تاريخ معركة اليرموك عند المؤرخين الغربيين مع التاريخ الهجري عند المصادر الإسلامية، أن المسلمين كانوا يضيفون هذا الشهر حتى يوم هذه المعركة، ويقول إن إلغاءه قد تم في مرحلة لاحقة خلال الخلافة أو حتى بعد ذلك، ربما بسبب تزوير عاصمة الدولة الإسلامية من الجزائر إلى الشرق الأوسط التي كان سكانها يعتمدون التقويم الشمسي.


إطلع أكثر على معلومــات و مواضيع تهمك


كذلك لا يوجد في القرآن أي إشارة إلى عيد الفطر. ومن غير المستغرب أن تكون إضافة هذا العيد قد تمّت بعد فترة من جعل الصيام شاملا لكل شهر رمضان. ومع قدوم شهر رمضان في فصل الصيف الحار والجاف في أغلب البلاد الإسلامية المترافق مع طول فترة النهار، برزت مشكلة الامتناع عن شرب الماء أثناء الصيام، مع ما يحمله ذلك من آثار صحية ضارة على بعض أعضاء الجسم كالجهاز البولي حتى عند الأشخاص السليمين، أو الإعياء وهبوط الدورة الدموية وغيرها من المضاعفات التي شاهدت الكثير منها شخصيا خلال عملي الطبي، دون أن تشعر المراكز الإسلامية بأن عليها القيام بأي شيء تجاه ذلك. مع أن الصيام الحقيقي ليس الإمتناع عن الأكل و الشرب كما أكده لنا سيدي المصطفى من مدينة تلمسان العتيقة : “الصيام الحقيقي هو الإلتزام عن الكلام في قوله تعالى :

  • فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا – 26 مريم
  • قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً ۚ قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا .. فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا – 10 – 11 مريم.

الصيام هو تجنب الكلام مع الناس مع التسبيح و الذكر و الدعاء … الصيام ليس بطون و إنما العقل و الروح : “فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا“.”

​​البدعة هي العبادة المحدثة التي لم يأت بها الشرع، وعند مقارنة ما وصل للمسلمين اليوم عبر كتب الحديث والتراث مع ما هو مذكور في القرآن، نجد ميلا دائما عند رجال الدين لتشديد الأحكام والمغالاة في العبادات والعقوبات عبر القرون، وصيام رمضان الذي جعلوه إلزاميا ولشهر كامل ليس سوى أحد الأمثلة على ذلك، بينما قامت الديانات الأخرى بالتخفيف من طقوسها بما فيها الصيام بما يتلاءم مع مصلحة الصائم وتطورات الحياة.

وجعل رجال الدين المسلمين أي محاولة لطرح أمثال هذه المسائل للبحث والنقاش بمثابة كفر، وحتى الآن لم يمتلك أي رجل دين أو مركز إسلامي الجرأة لتعديل أي تفصيل صغير في أي طقس ديني ليتلاءم مع معطيات الشرع الإلاهي و ليس الآدمي، إلا إذا كان الهدف من ذلك التعديل أو الفتوى المزيد من التشدد والتزمّت في تطبيق الدين لأنهم يبدون بذلك وكأنهم أكثر تديّنا والتزاما حسب زعمهم و هواهم، بينما يتم رفض أي دعوة للتخفيف عن المسلم والتشكيك بها، مع أن هذا يتناسب مع روح النص القرآني الذي تعبّر عنه الآية “يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر”.

و للحديث بقية …

       

⭐  الأخبار المنشورة على الصفحة الرسمية لمركز الجزائري لصحافة و تكنولوجيا الإعلام ، هي اختصار لجزء من الأخبار التي تُعرض للمشتركين عبر نظام تدفق الأخبار (CAP Technology). من أجل الاشتراك لدى الوكالة يُرجى الاتصال عبر الإيمايل.

صحة

تماما مثلما تفيد ممارسة التمارين الرياضية في المحافظة على صحة الجسم بشكل عام، كذلك تفيد التدريبات الذهنية في المحافظة على صحتك العقلية وحمايتك من...

صحة

تتجدد كل فترة النقاشات حول أيهما أفضل: تناول اللحوم أم اتباع نظام غذائي نباتي. وبالنظر إلى أن أكثر من نصف سكان العالم ليسوا نباتيين،...

صحة

دائما ما تثير القهوة الجدل خاصة بين عشاقها، ودائماً ما يدور النقاش حول العدد الأمثل لفناجين القهوة كل يوم، وأي كمية تعد مفيدة للصحة،...

صحة

يجادل فريق من العلماء الأميركيين هذه الأيام، في دراسة جديدة قد تكون مُرضية لشريحة كبيرة من الناس، بأن الأسباب الجذرية لوباء السمنة ترتبط أكثر...

عاجــل